خليل الصفدي
182
أعيان العصر وأعوان النصر
وجاء كتاب السلطان إليه يقول فيه : إنك أسأت الأدب على نائبنا ، وما كان يليق بك هذا ، وحضر كتاب السلطان إلى نائب صفد بأن الأمير شرف الدين طرخان لا تجرده إلى يزك ، ولا تلزمه بخدمة إن شاء ركب ، وإن شاء نزل فأقام بصفد قريبا من سنتين ونصف . ومن هنا كتبت له الدرج . ثم إن الأمير سيف الدين الجاي الدوادار لما حضر إلى دمشق لإحضار الأمير علاء الدين الطنبغا من حلب ليتوجه إليها أرغون الدوادار نائبا كأنه قال للأمير سيف الدين تنكز لما جاء ذكر أمير حسين : واللّه ما كان السلطان هان عليه أمره فحينئذ جنح تنكز للصلح مع أمير حسين ، وسير إليه بالغور ليلتقيه إلى القصير المعيني فاصطلحا هناك ، وخلع عليه ، ووعده بأنه إذا عاد من مصر أخذه معه إلى دمشق ففاوض السلطان في ذلك فما ، وافق على ذلك ، وطلب الأمير شرف الدين إلى مصر ، وجاء الفور البريد ، وأخذه ، وتوجه به إلى دمشق ، وجهز تنكز إلى مصر فتوجه إليها على خيل البريد ، وكنت معه فوصل إليها في جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وسبعمائة ، وخلع عليه ، وأنعم عليه بإقطاع الأمير بهاء الدين أصلم « 1 » السلحدار فأقام عليه إلى أوائل سنة تسع وعشرين وسبعمائة . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - ، وحنا السلطان عليه حنوا كثيرا ، وأعطى مماليكه الإقطاعات في الحلقة ، ورتب لهم الرواتب ، وأمر بعض أقاربه ، ورتب الرواتب لبناته ، وزوجته ، وأقاربه ، وبعض غلمانه ، وأباح طيوره بحضوره ، وهذا لم يتفق لغيره . وهو الذي بنى القنطرة على الخليج ، وإلى جانبها الجامع الذي له في حكر جوهر النوبي ، ولما فرغ أحضر إليه المشد ، والكاتب حساب ذلك ، وقال : هذا حساب هذه العمارة فرمى به في الخليج ، وقال : أنا خرجت عن هذا للّه تعالى فإن خنتما فعليكما ، وإن وفيتما فلكما . يقال : إنه غرم على ذلك فوق المائتي ألف درهم ، وكان - رحمه اللّه تعالى - على الدرهم ، والدينار من يده شحيحا ، وأما من خلفه فما كان يقف في شيء ، وكان الفرس ، والقباء عنده هين الأمر يطلق ذلك كثيرا . وكان خفيف الروح ، دائم البشر ، لطيف العبارة ، كثير التنديب الداخل ، وكانت في عبارته عجمة لكنه إذ قال الحكاية ، أو ندب ، أو ندر ، يظهر لكلامه حلاوة في السمع ، والقلب . قال الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس - رحمه اللّه تعالى - : نحن إذا حكينا ما يقوله هو ما يكون لذلك حلاوة كلامه من فيه .
--> ( 1 ) بهاء الدين أصلم السلحدار هو : أصلم بن عبد اللّه الناصري ، المتوفى سنة 746 ه ، ( انظر : المنهل الصافي : 2 / 45 ) .